معني القاعدة : المشقة تجلب التيسير
الافتتاح
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد. هذه إحدى القواعد الخمس الكبرى، التي تعتبر دعائم الشريعة الإسلامية، والتي تبنى عليها معظم القواعد الفقهية ويتخرَّج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع التي شرعها الله تعالى رحمة بعباده، وتخفيفًا عن المكلفين لسبب من الأسباب التي تقتضي هذا.التخفيف؛ لأن العسر والحرج منتفيان شرعًا
قبل الدخول في موضوع نريد بحثا فيه، يجب علينا تعريفه وشرحه، حتى يتيسر تصوره ومن ثمة فهمه على الطريقة الصائبة. فالقاعدة الفقهية التي سنبحث في هذه الفرصة هي "المشقة تجلب التيسير". كانت هذه القا عدة من قواعد الفقه الكلية الخمس التي يرجع إليها الفقه كله، وقد دلت عليها نصوص شرعية كثيرة من الكتاب والسنة، بل وإجماع الأمة
البحث
معنى "القاعدة الفقهية"
وقبل الدخول في معنى القاعدة المبحوثة، نجد لزاما علينا تعريف مصطلح "القاعدة الفقهية" لغة واصطلاحا :
فالقاعدة لغة: الأساس. وهي تجمع على قواعد، وهي: أسس الشيء وأصوله حسيا كان أو معنويا. وقد رد هذا اللفظ في القرآن الكريم، قال الحق تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل)(البقرة/ 127). (فأتى الله بنيانهم من القواعد) (النحل/ 26) وقال الزجّاج:"القاعدة: اساطين البناء تعمده"
أما من الناحية الاصطلاحية: فهي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها. وعرفها أبو البقاء الكفوي بقوله: قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها. وللتفتازاني، والتاج ابن السبكي، والتهانوي تعاريف تدور حول هذا المعنى.
o معنى قاعدة "المشقة تجلب التيسير"
المشقة : الجهد والعناء, و منه قوله تعالي (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (النحل:7), و اصله من الشق : نصف الشيء, كأنه قد ذهب نصف أنفسكم حتى بلغتموه, وشَقَّ علي الأمر أي: ثقل علي, و منه قوله صلى الله عليه وسلم : (لولا أن أَشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسِواكِ عِند كلِ صلاة): والمعنى: لولا أن أثقل على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وفي حديث أم زرع : "وجدني في أهل غُنَيمة بِشَقّ ", والشَّقّ : الفصل في الشيء, كأنها (أرادت أنهم في موضع حَرج ضيق كالشَّقّ في الجَبَل).
أما تَجلِب : فهي من الجَلْبُ وهو:سوق الشيء من موضع إلى آخر،واسْتَجْلَبَ الشيء : طلب أن يُجْلَبَ إليه : والجَلائِب : مايُجلب للبيع من كل شيء , وقيل الجَلائِب : الإبل التي تُجْلَب إلى الرجل النازل على الماء ليس له ما يَحْتَمِل عليه فيحملونه عليها.
والتيسير : من اليُسْر : وهو ضد العُسر،ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (إن الدين يُسْرٌ), وأراد بذلك صلى الله عليه وسلم أنه سهل سمح قليل التشديد. والمراد بجلب المشقة للتيسير : أن المشقة سبب للتيسير : قال تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً, إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الانشراح:5-6), لذلك قال الشاعر :
إذا اشَـتد بك العُسرُ فَفَكر في "ألم نَشْـرَح"
فعُسرٌ بين يُسـرَينِ إذا أبصَـرتَهُ فَافـرَح
ويكون بذلك معنى القاعدة :
أ- في ما يخص الشرع : أن الصعوبة والعناء التي يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي تصير سببا شرعيا صحيحا للتسهيل والتخفيف عنه بوجه ما.
ب- في ما يخص الحياة (بشكل عام) : ما يلاحظ أن المشقة سبب قوي للتيسر في هذا الكون, أي أن هذه القاعدة كونية فهي تشمل كل نواحي الحياة, ونجد أن لها وجوداً في حياة كل الناس.
والمراد بالمشقة الجالبة للتيسير : لمشقة التي تتجاوز الحدود العادية, هي التي تضيق بها الصدور وتستنفذ الجهود, ولا يقصد بها المشقة العادية الطبيعية التي لا تنفك عنها التكليفات الشرعية, كمشقة الجهاد, ألم الحدود ورجم الزناة وقتل البغاة والمفسدين, هذه المشقة ليست هي المقصودة من القاعدة ولا أثر لها في جلب تيسير ولا تخفيف.
فكل تكليف لا يعرى عن مشقة تستلزمها طبيعته بحسب درجاتها, التخفيف حينئذ يعتبر إهمالاً أو تفريطًا
o ادلتها:
أدلة القاعدة كثيرة جدّا في الكتاب والسنة، فمن الكتاب على سبيل المثال:
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (البقرة : 185 ), لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (البقرة: 286), يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (النساء: 28), وما جعل عليكم في الدين من حرج (الحج: 87), ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم (الأعراف: 157), ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا (البقرة: 286), وفي الحديث: قال الله تعالى: "قد فعلت" (صحيح مسلم), وفي رواية قال الله عز وجل: "نعم". (صحيح مسلم), فاتقوا الله ما استطعتم (التغابن: 16)
ومن السنة: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسرٌ، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". (صحيح البخاري)
وما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا".(صحيح البخاري)
وما روته عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خُيِّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا (صحيح البخاري)
وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة". (متفق عليه). إلى غير ذلك من الحديث.
o نموذج من التطبيقات الفقهية لهذه القاعدة
لقد دلت الآيات والأحاديث السابقة على أن الشارع قصد إلى التيسير، وجعل دعوته إليه على ثلاثة أوجه:
- فبعضها يتناول يسر هذا الدين وسماحته، ورفع الحرج عن العباد.
- وقسم منها يتعرض لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتخفيف، ونهي الناس عن التعمق والتشديد.
- وباقيها في بيان ما ترك صلى الله عليه وآله وسلم من بعض القرب خشية المشقة.
- فالشارع جعلها قاعدة بني عليها الدين كله، حتى سميت ملة الإسلام بالحنيفية السمحاء، ثم زاد فأمر العباد بالتيسير وعدم المشقة، والتزام أيسر الأمرين، ثم ثلث بترك أمور من القرب – كالجمع لصلاة التراويح مثلا
- خشية أن تفرض على العباد.
ويدخل تحت هذه القاعدة أنواع من الفقه، منها في العبادات: التيمم عند مشقة استعمال الماء على حسب تفاصيله في الفقه، والقعود في الصلاة عند مشقة القيام، وفي النافلة مطلقا، وقصر الصلاة في السفر، والجمع بين الصلاتين..ونحو ذلك..
ومن التخفيفات أيضا: إعذار الجمعة والجماعة، وتعجيل الزكاة، والتخفيفات في العبادات والمعاملات، والمناكحات والجنايات.
ومن التخفيفات المطلقة: فروض الكفاية وسننها، والعمل بالظنون لمشقة الاطلاع على اليقين.
ومنها: العفو عن اليسير من طين الشوارع، ولو ظننت نجاستها، والرجوع إلى الظن في تطهير الأشياء إذا لم يمكن اليقين، وإباحة الميتة للمضطر، وإباحة ما تدعو إليه الحاجة
ومنها: العفو عن الدم اليسير النجس، والاكتفاء بالاستجمار الشرعي عن الاستنجاء، وطهارة أفواه الصبيان، والاكتفاء بنضح بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام لشهوة وقيئة.
ومنها: العمل بالأصل في طهارة الأشياء وحلها، فالأصل في المياه والأراضي والثياب والأواني وغيرها الطهارة، حتى تعلم نجاستها، والأصل في الأطعمة والأشربة الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه.
ومسائل هذه القاعدة كثيرة لا يحدها الحصر، ولا يمكن تحجيرها في مجموع واحد، إذ هي تتعدد بتعدد الزمان وأحواله، وتعدد النوازل واختلافها.
o في قواعد نتجت عن هذه القاعدة
سبق وأن أشرنا إلى أن تلك القاعدة من القواعد الخمسة التي يبنى عليها الفقه، ولا شك أن القواعد الفقهية غير مقتصرة على تلك الخمسة فقط، بل أوصلها العلماء إلى أكثر من ذلك بكثير، وإن كانت جميعها لها ارتباط وثيق مباشر أو غير مباشر بهذه القواعد الخمسة المذكورة. والتي هي: اليقين لا يزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، والأمور بمقاصدها، وإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.
ومن أهم القواعد المنبثقة عن قاعدة "المشقة تجلب التيسير":
- "الضرورات تبيح المحظورات". فقد دلت عليها آيات من كتاب الله تعالى؛ كقوله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}. [المائدة/ 3]. ونظائرها الأخرى، كقوله سبحانه: {إلا ما اضطررتم إليه}. [الأنعام/ 119]. بعد تعداد جملة من المحرمات. فالقاعدة مستفادة من استثناء القرآن الكريم حالات الاضطرار في ظروف استثنائية خاصة.
وكذلك قول الله عز وجل: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}. [النحل/ 106]، فاللجوء إلى محظور عند الاضطرار، والنطق بكلمة الكفر عند الإكراه مما عفا الله العباد عنه، وسوغه لهم بإنزال آيات بينات. فهذه القاعدة – على حد قول العلامة علي الندوي – تعتبر من الأصول المحكمة الأصلية في بناء الفقه الإسلامي، وهي دليل في ذاتها على مرونة الفقه ومدى صلاحيته واتساعه لحاجات الناس.
- ومن القواعد المكملة لتلك القاعدة: "ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها". فالظاهر أنها مستقاة من قوله سبحانه وتعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد..}. الآية (البقرة/ 173 – الأنعام/ 145 – النحل/ 115)
- ومن القواعد المندرجة تحت تلك القاعدة العامة: القاعدة المشهورة: "إذا ضاق الأمر اتسع". فأصلها في كتاب الله، وهو قوله تعالى: (إن مع العسر يسرا)( الانشراح/ 6)
فتبين لنا من ذلك أهمية هذه القاعدة العظيمة، وابتناء قواعد مهمة من قواعد الشريعة عليها، وانبثاقها منها، مع ما تحمله كل قاعدة من حمولة فقهية، وفروع لا حصر لها تشمل كافة أبواب الفقه ومرافق الحياة.
الخاتمة في خلاصة الموضوع
تلخص لنا مما مضى أن قاعدة "المشقة تجلب التيسير" قاعدة مهمة من قواعد الشريعة، بل إحدى القواعد التي بني عليها الفقه الإسلامي بعامة، تتجلى في كافة مسائله وفروعه بل وأصوله. ولهذه القاعدة تأصيل من محكم الكتاب والسنة، وإجماع واتفاق من علماء الأمة، بحيث لم يتعارض في ذلك دليلان، ولا خالف فيها عالمان.
وقد اعتمد بعض العلماء المعاصرين، كالعلامة يوسف القرضاوي، والعلامة وهبة الزحيلي، والعلامة مصطفى الزرقا على هذه القاعدة وجعلوها أساسا لكثير من فتاواهم فيما يخص النوازل المعاصرة، وإشكالات الجالية المسلمة في أوروبا، فكانوا في ذلك بين إفراط وتفريط، وربما كانوا إلى الإفراط أقرب.
المراجع
القواعد والأصول الجامعة
القواعد الفقهية
صحيح البخاري
فتح الباري
صحيح البخاري
صحيح البخاري
القواعد الفقهية
شرح الكوكب المنير
المرتقى الذلول
القواعد والأصول الجامعة
المصدر السابق
Selengkapnya...


